ملا محمد مهدي النراقي

146

جامع السعادات

حلول الغير به ، وتخليته عن عوائق تحول بينه وبين مولاه ، حتى لا يسمع إلا بالحق ومن الحق ، ولا يبصر إلا به ، ولا ينطق إلا به - كما في الحديث القدسي ، فيكون تقربه بالنوافل سببا لصفاء باطنه ، وارتفاع الحجاب عن قلبه ، وحصوله في درجة القرب من ربه ، وكل ذلك من فضل الله تعالى ولطفه به ثم قرب العبد من الله لا يوجب تغيرا وتجددا في صفات الله تعالى إذ التغير عليه سبحانه محال ، لأنه لا يزال في نعوت الكمال والجلال والجمال على ما كان عليه في أزل الآزال ، بل يوجب مجرد تغيير العبد بترقيه في مدارج الكمال ، والتخلق بمكارم الأخلاق التي هي الأخلاق الآلهية ، فكلما صار أكمل صفة وأتم علما وإحاطة بحقائق الأمور ، وأثبت قوة في قهر الشياطين وقمع الشهوات ، وأظهر نزاهة عن الرذائل ، وأقوى تصرفا في ملكوت الأشياء صار أقرب إلى الله ، ودرجات القرب غير متناهية ، لعدم تناهي درجات الكمال ، فمثل تقرب العبد إلى الله ليس كتقرب أحد المتقاربين إلى الآخر ، إذا تحركا معا ، بل كتقرب أحدهما مع تحركه إلى الآخر الذي كان ساكنا ، أو كتقرب التلميذ في درجات الكمال إلى أستاذه ، فإن التلميذ متحرك مترق من حضيض الجهل إلى بقاء العلم ، ويطلب القرب من أستاذه في درجات العلم والكمال ، والأستاذ ثابت واقف ، وإن كان التلميذ يمكن أن يصل إلى مرتبة المساواة لأستاذه لتناهي كمالاته ، وأما العبد ، كائنا من كان ، لا يمكن أن يصل إلى كمال يمكن أن تكون له نسبة إلى كمالاته سبحانه ، لعدم تناهي كمالاته شدة وقوة وعدة وعلامة كون العبد محبوبا عن الله : أن يكون هو محبا له تعالى ، مؤثرا إياه على غيره من المحاب ، وأن يرى من بواطن أموره وظواهره أنه تعالى يهيئ له أسباب السعادة فيها ، ويرشده إلى ما فيه خيره ويصده عن المعاصي بأسباب يعلم حصولها منه سبحانه ، وأنه تعالى يتولى أمره ، ظاهرة وباطنه ، وسره وجهره ، فيكون هو المشير عليه ، والمدبر لأمره ، والمزين لأخلاقه ، والمستعمل لجوارحه ، والمسدد لظاهره وباطنه ، والجاعل لهمومه هما واحدا ، والمبغض للدنيا في قلبه ، والموحش له من غيره ، والمؤنس له بلذة المناجاة في خلواته ،